|
كانت فترة السنوات الستة الواقعة بين عامي 1973 و 1979 حافلة في تاريخ الجامعة. وليس بالإمكان أن أسجل كل الأحداث المهمة بكل تفاصيلها إذ إنني أكتب من الذاكرة بعد مرور35 عاماً على تكليفي برئاسة.الجامعة. لذلك فإنني أوجز ما حدث بالقول إن هذه الفترة كانت مرحلة البناء والتأسيس. كما أنني سوف أقتصر على بعض الذكريات فقط تجنبا للإطالة.
لقد استملكت الجامعة في عهد رئيسها الأول المرحوم الأستاذ توفيق المنجد مساحات شاسعة من الأراضي.المحيطة بحلب وأشاد عليها مبنى رئاسة الجامعة ومباني أخرى. وعندما توليت رئاسة الجامعة كان الحرم الجامعي يتألف من مبنى الرئاسة ومن مباني كليات الطب والزراعة والآداب والمستشفى بالإضافة إلى مباني كلية الهندسة القديمة. وكان علينا نحن أن نستمر في بناء الجامعة الناشئة وأن ننهض بها بكل السرعة الممكنة
مشاريع طموحة لبناء الجامعة
وضعنا من اجل بناء الجامعة ميزانية ضخمة وأرسلناها إلى وزارة التعليم العالي. وقدمت جامعة دمشق ميزانيتها في نفس الوقت. وكان الفارق كبيرا بين الميزانيتين ومع أن جامعة دمشق عدّلت ميزانيتها إلا أننا لم نوافق على إنقاص أرقامنا بناء على طلب الوزارة. وقد لجانا إلى مكتب التعليم العالي الذي استوعب أسباب ارتفاع أرقامنا، فنحن نريد بناء جامعة جديدة. واستطعنا بفضل ذلك الدعم أن نحقق أهدافنا.وأن نحصل على ميزانية تتناسب مع طموحاتنا.
وهكذا بدأ عهد جديد يشمل تصميم الأبنية الجديدة وإسناد تنفيذها إلى مؤسسات الدولة المختصة بالإنشاء والتعمير. وبدأت جامعة حلب الناشئة تظهر للعيان كأهم مظهر حضاري يليق بمدينة حلب العريقة.
قصة معهد التراث العلمي العربي
كنت من المؤمنين دوما بأهمية تصنيع سورية. وعندما كنت عميدا لكلية الهندسة في عام 1964 عقد في المباني القديمة لجامعة حلب مؤتمر المهندسين السوريين. وكان التصنيع هو موضوع المؤتمر. وقدمت بحثا عن أهمية التصنيع في التنمية الاقتصادية وقدم مهندس آخر موضوعا مغايراً تماماً وكان يدعو إلى الاهتمام بتنمية الزراعة لأننا لا نملك القدرة على إنشاء الصناعات،. وكان قرار أعضاء المؤتمر إلى جانب التصنيع بأغلبية كبيرة.
وفي السنوات التي توليت فيها وزارة النفط والكهرباء وتنفيذ المشاريع الصناعية بين عامي 1967 و 1969 وجدت الفرصة المناسبة لتنفيذ ما كنت مؤمنا به. فعملت بشكل دؤوب لإنشاء المشاريع الصناعية الجديدة وعملت دراسات دولية عن إمكانية تصنيع خامات الحديد السورية. وقبل أن اترك الوزارة تقدمت بمشروع لإنشاء صناعة للحديد والفولاذ اعتمادا على خامات الحديد في كل من راجو والزبداني. وأقرت اللجان المختصة المشروع.
وعندما تركت الوزارة اختفى المشروع من الخطة الخمسية. وبسبب ذلك وجهت اهتمامي للبحث عن صناعة الفولاذ الدمشقي في التاريخ العربي.ونشرت بحثا حوله.. كنت أريد أن أبين لأبناء امتنا غير المؤمنين أن حضارتنا العريقة كانت تستند إلى الصناعة، إذ لا يزال سر الفولاذ الدمشقي مثار اهتمام الباحثين الغربيين منذ مطلع القرن التاسع عشر حتى الآن.
وعندما أسندت إلي رئاسة الجامعة قررت إنشاء معهد التراث العلمي العربي. وتقدمت بالمشروع إلى وزارة التعليم العالي.
وعندما عدت من سفرة قمت بها إلى أوروبا استقبلني في المطار أبو عبدو كحيل. وعندما كنا في طريقنا إلى حلب كان أبو عبدو مترددا في كيفية مفاتحتي فيما يريد أن يقوله. ولكنه وجد أخيراً الكلمات المناسبة فهو يريد أن يخفف عني وقع نبأ رفض اللجنة الثقافية لمشروع المعهد.
وفي حلب لم أستسلم أمام قرار اللجنة الثقافية فتوجهت إلى دمشق وهناك استطعت إيصال صوتي إلى رئيس الجمهورية الذي ما إن فهم الموضوع حتى أصدر تعليماته إلى رئيس مجلس الوزراء من اجل دعوة اللجنة الثقافية ثانية لبحث المشروع بحضوري . وهكذا انعقدت اللجنة الثقافية يرئاسة الأستاذ محمود الأيوبي وحضور الوزراء مع خبرائهم والذين كان من بينهم الشاعر سليمان العيسى. وأجبت الوزراء والخبراء على أسئلتهم وبلغ الحماس بسليمان العيسى حدا كبيرا وقال: والله إن هذا الذي سمعناه لأهم بكثير من كل قصائد الشعر العربي. وهكذا تم إحداث معهد التراث العلمي العربي.
إحداث مطبعة الجامعة
إنني اعتبر إنشاء مطبعة الجامعة من الانجازات التي لا تقل أهمية عن إنشاء المعاهد والكليات. ولذلك أوليت إنشاءها أهمية خاصة. وقد كلفت المرحوم الأستاذ محمد الإمام أمين الجامعة بالإشراف على المشروع..
وبإنشاء المطبعة تمكن أساتذة الجامعة من نشر كتبهم وجعلها في متناول الطلبة كما تمكنت الكليات من طباعة منشوراتها ومجلاتها العلمية.
إصدار مجلة تاريخ العلوم العربية
كان إصدار مجلة تاريخ العلوم العربية من أهم ثمار إحداث المطبعة وفي بدء صدورها أسندت تحريرها إلى شخصية علمية بارزة وهو الأستاذ إدوارد كندي الذي يعتبر بحق أهم مؤرخي علم الفلك العربي المعاصرين وأستاذ كل من جورج صليبا ودافيد كنج المبرزين أيضا في تاريخ علم الفلك العربي. كانت تلك فترة ذهبية في تاريخ المجلة وقد استكتب كندي كبار مؤرخي العلوم العربية ونشرت مقالاتهم فيها. وأصبحت المجلة صوت جامعة حلب في الأوساط العلمية الدولية.
نشر موسوعة حلب ومجلة العاديات
شعرت بان من واجب جامعة حلب أن تعزز رابطتها الثقافية مع المدينة التي تنتمي إليها. وكان وجود المطبعة وسيلة هامة لتوطيد هذه الصلة. ولذلك بادرت إلى نشر مجلة عاديات حلب التي كان صدورها متعثرا في ذلك الحين.
وعندما توفي المرحوم خير الدين الأسدي ترك موسوعته عن حلب على شكل مخطوطة بعد أن فشل في إقناع بلدية حلب بنشرها. وقد تألفت بعد وفاته لجنة من بعض شخصيات حلب من اجل السعي لنشر الموسوعة.. وزارني أعضاء اللجنة لعرض المشكلة . وقد وافقت على نشرها بدون تردد. . وفرّغت الأستاذ محمد كمال للإشراف على تحريرها ونشرها في مطبعة الجامعة. واستمرت المجلدات في الصدور حتى اكتملت الموسوعة.
رجالات حلب والجامعة
وخلال هذه الفترة نشأت بين الجامعة وبين محافظ حلب الأستاذ احمد إسماعيل وبعض رجالات حلب علاقة قوية. ودعت الجامعة المحافظ والشخصيات الحلبية المهتمة بالعلم والثقافة إلى عدة لقاءات في الجامعة. وحصلت الجامعة على تبرعات سخية أودعت في حساب مستقل لدعم البحث العلمي في المعهد بمعزل عن الروتين. وتبرع البعض مثل المرحوم الدكتور بوخيه ببعض الكتب والمخطوطات. وتبرع السيد جورج انطاكي بمجموعة من المخطوطات كذلك.
الندوات العالمية لتاريخ العلوم عند العرب
من الأحداث البالغة الأهمية انعقاد الندوة العالمية الأولى لتاريخ العلوم عند العرب في عام 1976 والندوة العالمية الثانية في عام 1979. كانت كل من الندوتين تظاهرة علمية دولية اجتمع فيها مؤرخو العلوم العربية البارزون من مختلف بلدان العالم وألقيت فيهما بحوث أصيلة. ومن ابرز ما يلفت النظر حضور وفد أكاديمية العلوم السوفيتية ووفد جامعة هارفارد الأمريكية في آن واحد. وكانت أعلام الدول المشاركة تزين الساحة الواقعة بين مبنى كلية الطب ومبنى رئاسة الجامعة.
العلاقة مع اليونسكو ومشروع مظاهر الثقافة الإسلامية
قررت اليونسكو القيام بمشروع تأليف عمل موسوعي عن مختلف مظاهر الثقافة الإسلامية. والفت لحنة من كبار الشخصيات العلمية المعروفة من بعض الدول الإسلامية. وانعقد الاجتماع الأول للمشروع في جامعة حلب في عام 1975 على ما أظن.
وتشرف على المشروع الآن لجنة علمية دولية لا زلت أحد أعضائها. وقد أصدرت اليونسكو حتى الآن ثلاثة من المجلدات الستة المقررة. وأحدها هو "العلم والتكنولوجيا في الإسلام" في جزءين. وكنت المحرر الرئيسي له مع المرحوم مقبول أحمد والبيرت زكي اسكندر كمحررين مساعدين وكلاهما من مؤرخي العلوم ذوي الشهرة العالمية. واشترك في تأليف الكتاب ثلاثون مؤرخا للعلوم بينهم خمسة من سورية.
البحث العلمي
هناك الكثير مما كان علي أن اذكره عن إدارة الجامعة آنذاك وعن الدور الهام الذي قام به وكيلا الجامعة الدكتور محمد علي حورية والمرحوم الدكتور خالد ماغوط وأمين الجامعة المرحوم الأستاذ محمد الإمام. وعن الكليات وعمدائها وعن مشاريع التوسع والتطوير في كل منها، وعن علاقات الجامعة مع الجامعات العربية الأخرى وعن الدور الذي قامت به في تعريب التعليم العالي في الجزائر. ولكني اكتفي بما ذكرته.
وأختتم هذه الكلمة بالقول إن جامعة حلب سارت منذ ذلك الحين وحتى الآن بخطى وطيدة إلى الإمام، وأنني لأشعر بالغبطة عندما أرى هذا التقدم الواضح وخاصة في مجالات البحث العلمي الذي هو أساس التقدم الحضاري والذي سوف يحدد مصير نهضة امتنا. إن البحث العلمي (ونشر نتائج الأبحاث) هو وحده الذي سوف يميز جامعة حلب عن غيرها وهو الذي سوف يعلي من مكانتها في الأوساط العلمية الدولية.
|