|
طُلِبَ مني المساهمة في كتابة موضوع عن" ذاكرة جامعة حلب", فلم أجد سوى أن أعبر عن تجربتي الذاتية أمزجها بالأمور الموضوعية من خلال المراحل التي مررت بها في جامعة حلب طالباً ثم معيداً في كلية الحقوق وبعدها في كلية الاقتصاد, ثمً عضو هيئة تدريس في كلية الاقتصاد, ثم وكيلاً وعميداً لكلية الحقوق, ثم رئيساً لجامعة حلب.
طالب في كلية الحقوق:
حصلت على الثانوية العامة في 9/5/1959 وكنت من الأوائل ،وأوفدت إلى مصر للدراسة في المعهد الفني
الصحي بالقاهرة.وعدت إلى سورية في صيف 1961 وتوظفت في الصحة الريفية بدمشق.
وكنت أود أن أدرس الحقوق في جامعة دمشق, ولكن لم يسمح لأنه تم إنشاء كلية الحقوق بجامعة حلب. وفعلاً درست الحقوق في جامعة حلب. وكان المكان في كلية الهندسة (وهو مكان كلية الهندسة المدنية الآن).كنا نتلقى المحاضرات تحت المدرج الكبير. والأساتذة الذين مازلت أذكرهم : الأستاذ أسعد الكوراني (المدخل للعلوم القانونية), الأستاذ عبد الجواد السرميني (نظرية الالتزام), الدكتور سعدي بسيسو(العقوبات), الدكتور محسن الشيشكلي(القانون الدولي), الدكتور صلاح سلحدار(أصول التنفيذ), الدكتور أنطوان قسيس(مدني سنة ثالثة), الدكتور عبد السلام الترمانيني(التشريع العقاري),... وتخرجت من كلية الحقوق في العام 1964/1965,وكنت من الأوائل.
التقدم لامتحان المعيدين :
أعلنتْ جامعة حلب عن مسابقة لانتقاء معيدين لكلية الحقوق. وقدمت أوراقي الثبوتية للاشتراك في هذه المسابقة.تقدمت لامتحان المعيدين في كلية الحقوق بجامعة حلب, وكان يتألف حينئذ من امتحان تحريري نجحت فيه وكنت الثاني وكان السؤال الوحيد هو "سلطة القاضي في تعديل العقود", ومن امتحان شفهي عبارة عن محاضرة في القانون المدني يقف فيها المعيد على منصة الأستاذ ويلقيها، وكانت "الإثراء بلا سبب " ، أمام لجنة مؤلفة من ثلاثة أعضاء :عميد كلية الحقوق, ورئيس قسم القانون المدني, وقاضٍ كبير من قصر العدل. وسُمِحَ بالحضور لمن شاء من الطلاب وغيرهم. ونجحت في هذا الامتحان. وعينت معيداً قي كلية الحقوق بجامعة حلب. وخلال هذه الفترة, أثر في نفسي كثيراً شخصيتان تسلسلت علاقتي بهما تاريخياً الأول الدكتور أنطوان قسيس والثاني الدكتور محمد عادل عاقل.
فترة المعيدية في كلية الحقوق :
كان الدكتور أنطوان قسيس رئيساً لقسم القانون المدني في كلية الحقوق بجامعة حلب, ويمارس المحاماة. تناقشت معه في مواضيع القانون المدني, وكنت قد اطلعت على أمهات كتب القانون المدني الصادرة في مصر, فجعلت أستفيد منه علمياً. وكانت النتيجة أنه عرفني على حقيقتي سلوكياً وعلمياً, فعهد إليّ بتصحيح الدفاتر الامتحانية للقانون المدني للسنة الثالثة. وقد أعجبه ما قمت به من عمل فقربني إليه أكثر. وفي هذه الأثناء صدرت قرارات بإلغاء كلية الحقوق وكلية التجارة في جامعة حلب لتحل محلهما كلية عملية جديدة هي كلية العلوم الاقتصادية، ذكر في حينها أنها أكثر ملاءمة مع النظام الاشتراكي في سورية. وحينها نقل الدكتورأنطوان قسيس من رئيس لقسم القانون المدني في كلية الحقوق ليصبح رئيساً لقسم الاقتصاد في كلية العلومالاقتصادية الجديدة. ذلك أن رسالة الدكتوراه التي حصل عليها كانت بعنوان "القوانين الاقتصادية. وعندما فكر في تأليف كتاب في "الأفكار والوقائع الاقتصادية" احتاج إلى من يكتب له عندما يقوم بالتأليف فوقع الاختيار عليّ. كنت أذهب إليه في منزله صباحاً الساعة السابعة. أطرق جرس الباب, فتفتحه زوجته وترافقني إلى غرفة الجلوس وتقول: الدكتور جاي. ويأتي الدكتور أنطوان ومعه المراجع الفرنسية, ويبدأ بالكلام, وهو ينظر للمرجع, وأنا أكتب. وأحياناً يأتي بمرجع آخر من الداخل ويفتحه للمكان المخصص. أولاده اثنان من الذكور فقط, لا يحدثان ضجة, ولا يقربان كتاباً لأبيهم. وفي الساعة 8.25 يطلب سيارة من مكتب تكسي بغداد, ونذهب إلى كلية العلوم الاقتصادية القريبة من ساحة الجامعة (مكان كلية الحقوق حالياً), ويلقي محاضراته التي كتبت صباحاً. تعلمت منه كثرة القراءة, وعدم الاقتصار على الكتابات القانونية, فلا بد من توسيع المدارك بالانتقال للاقتصاد أيضاً.
فترة المعيدية في كلية العلوم الاقتصادية :
وجاء دور الدكتور محمد عادل عاقل حيث أصبح عميداً لكلية العلوم الاقتصادية, وعميداً لكل من كلية التجارة وكلية الحقوق ليقوم بتصفيتهما. والدكتور عاقل له صفات نادرة : طولة البال, والمتابعة, وإحصائي مع أن أصله حقوقي. وتم نقلي من كلية الحقوق التي تقرر إلغاؤها إلى كلية العلوم الاقتصادية وأصبحت معيداً فيها وانتقل اختصاصي من القانون المدني إلى الاقتصاد. وبدأت أقرأ في الاقتصاد لأكون على مستوى المعيدية في كلية العلوم الاقتصادية. كان الدكتور عادل عاقل سيدرّس التحليل الاقتصادي الجزئي للسنة الأولى في هذه الكلية فكلفني بمتابعة طباعة الكتاب الجديد. كنت آخذ المسودات منه وأعطيها للمطبعة في جامعة حلب. ثم آخذ المسودات المطبوعة (البروفة1) من المطبعة وأدققها على الأصل بعد قراءتها مرتين على الأقل ثم أسلمها للدكتور عادل ليدققها أخيراً ، ثم أعيدها للمطبعة ويصححونها وأتأكد من ذلك بالبروفة2. ثم أردَ الملزمة مصححة للدكتور عادل. ونتيجة هذا الجهد, وقد أشار الدكتور عادل عاقل لذلك قي مقدمة كتابة (التحليل الاقتصادي الجزئي)‘ طلبني الدكتور عادل صباح يوم وسألني: هل تدرّس التحليل الاقتصادي الجزئي معي للسنة الأولى. وشعرت أن هذا السؤال تكريم منه لي. كان المبنى هو مبنى السفينة بجانب ساحة الجامعة (مكان كلية الحقوق اليوم). ووقفت في القاعة التي تقع أسفل المبنى وألقيت أول محاضرة لي في طلاب كلية العلوم الاقتصادية. وفي منتصفها, والطلاب منصتون, طُرِقَ الباب, ودخل الدكتور عادل, فقام الطلاب احتراماً له، وأشار لي بالمتابعة وأخذ مكانه في نهاية المدرج. وأعجبه ما قمت به. وقد انتقل هذا الإعجاب للدكتور سليم ياسين الذي كان يدرّس التحليل الاقتصادي الكلي فأصبحت أشاركه في العملي. وفي هذه الفترة أصبح الدكتور سليم ياسين وكيلاً للجامعة حيث كان منصب رئيس الجامعة شاغراً. ومن ثم أصبحت أدرّس مع الدكتور سليم بدلاً عنه ما يقوم به من تدريس مواد أخرى حينما يكون مضطراً للسفر. درّست معه التخطيط الاقتصادي, والتنمية الاقتصادية. تشاورت مع الدكتور عادل عميد كلية العلوم الاقتصادية حينها على الاختصاص الذي يناسب هذه الكلية كوني حقوقياً ، فأشار علي بالتخصص في نطاق المالية العامة والضرائب لأنها تدخل في نطاق كلية الاقتصاد وكلية الحقوق معاً. وقد تم ذلك. وأثناء تحضيري الدكتوراه في كلية الحقوق بجامعة القاهرة, حصلت على دبلوم الدراسات العليا في الاقتصاد من معهد البحوث والدراسات العربية العالية التابع لجامعة الدول العربية. وهو بعد دراسة سنتين.
التدريس في كلية العلوم الاقتصادية:
عدت من الإيفاد في عام 1976 بعد حصولي على المؤهل العلمي, وتعينت مدرساً في قسم المالية في كلية العلوم الاقتصادية بجامعة حلب. كان العميد الدكتور خالد الحامض. وكان بين أعضاء هيئة التدريس د.محمد ناشد, ود. سامي قلعه جي, ود. عارف دليلة, ود. سالم صفدي, ود. إبراهيم العلي, ود. منير غانم, ود. إسماعيل شعبان, ود. مصطفى قداح, ود. عبد القادر الأفندي, ود. أحمد رفيق قاسم ... وكان التدريس يتم في مبنى في سيف الدولة قرب خزان الماء. ويطلق على الكلية من الناس اسم كلية العلوم. وفي آخر 1977 عينت وكيلاً للكلية للشؤون الإدارية والطلابية ودرست المالية العامة.وتم توحيد كلية العلوم الاقتصادية بجامعة حلب مع كلية التجارة بجامعة دمشق ووحدت التسمية وهي "كلية الاقتصاد والتجارة" ، وانتقلت الكلية من النظام السنوي إلى النظام الفصلي. وكنا نتابع البناء الجديد لكلية الاقتصاد والتجارة في موقعه الحالي بين مباني جامعة حلب. وفي تلك الأثناء, أعددت دراسة عن إعادة افتتاح كلية الحقوق في جامعة حلب. وفي اجتماع مشترك بين مكتب التعليم العالي في فرع جامعة حلب لحزب البعث العربي الاشتراكي برئاسة الرفيق الدكتور زكي حنوش, ومجلس جامعة حلب برئاسة الأستاذ الدكتور أحمد يوسف الحسن تمت الموافقة على اقتراح إعادة افتتاح كلية الحقوق بجامعة حلب. وفي 1981 تمت إعارتي لمعهد الإدارة العامة بالرياض.
عميداً لكلية الحقوق:
عدت من الإعارة في 1986 وعينت وكيلاً لكلية الحقوق التي تمت إعادة افتتاحها في جامعة حلب. وكان عميدها الدكتور أحمد الأشقر. وكانت تستعين غالباً بأعضاء الهيئة التدريسية بكلية الحقوق من جامعة دمشق: الدكتور هشام فرعون, والدكتور عبد الله طلبة, والدكتور محمد الحسين, والدكتور حسن جوخدار, ... وقد حلت كلية الحقوق ضيفة على كلية الاقتصاد في مبناها الحالي. ثم أصبحتُ عميداً للكلية في عام 1987. واستمر الوضع إلى 1991 حيث حصلت على الاستيداع لكي أقوم بالتدريس في كلية الحقوق بجامعة الكويت.
العودة لجامعة حلب:
اليوم الاثنين 2/1/2001 الساعة الثالثة بعد الظهر, والمكان في بيتي في مبنى سكن أعضاء هيئة التدريس بالشويخ في الكويت. يرن جرس التليفون وأرد. ويأتي الهاتف: قبل قليل اُتخِذَ قرار في القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي وستصبح رئيساً لجامعة حلب. وفي يوم الجمعة استقليت الطائرة إلى دمشق. كان السيد ظافر علوش في استقبالي من الطائرة. وقال : حجزنا لك في فندق الشام بدمشق. قلت : لا ضرورة لذلك لأن لي منزلاً في دمشق, وفي كل الأحوال أريد أن أذهب لأبيت عند حماتي.
وفي يوم السبت 6/1/2001 الساعة 9.30 ذهبت إلى وزارة التعليم العالي واستقبلني بكل حفاوة وزير التعليم العالي الدكتور حسان ريشة. وتمت إعادتي لعملي لأنني كنت بحكم المستقيل. وتم تكليفي بقرار من الوزير برئاسة جامعة حلب إلى حين صدور المرسوم. وفي الساعة 11 حَضَرْتُ جلسة مجلس التعليم العالي في الوزارة. وفي الساعة 12 قفلت راجعاً إلى حلب.
ومررت على منزل الأستاذ الدكتور علي حورية/ رئيس الجامعة السابق. وقد اتفقنا على أن أحضر لعنده الأحد 7/1/2001 الساعة 10.45 صباحاً لنذهب لحضور مجلس الجامعة معاً, لكي نعمل له توديعاً واستلاماً مني لرئاسة الجامعة. وقد تم ذلك حيث ألقى غالبية العمداء كلمات توديعية للدكتور حورية وكلمات ترحيبية بي. وأعلنت يومها أن أي رئيس للجامعة هو استمرار لما قبله. وكنت أريد من ذلك كله وضع أصول جامعية أو الاستمرار فيها بحيث نحفظ الود لمن أدى مهمته ثم انتهى منها.
رئيساً لجامعة حلب:
منذ ذلك التاريخ مارست مهام رئاسة جامعة حلب. وكان يحكمني في عملي المبادئ التالية:
1- النزاهة : فلا أتعامل مع المتعهدين مباشرة حتى لا يوجد احتكاك بيني وبينهم. ومن ثم فلا تتواجد فرصة يتم من خلالها الغش والرشوة.
2- العلاقة الجيدة مع فرع الحزب: كنت حريصاً على هذه العلاقة بحيث تبقى جيدة دون أن تشغلنا عن أداء أعمالنا. الدكتور أحمد هبو أمين فرع جامعة حلب لحزب البعث العربي الاشتراكي وأنا أصدقاء قدامى عندما كان عميداً لكلية الآداب وأنا عميد لكلية الحقوق. وبقية رفاقنا في قيادة الفرع على مستوى خلقي رفيع. وكان هذا من عوامل توفيقي في أداء عملي.
3- رفع معدلات الأداء: نظراً لأنني اقتصادي فقد حرصت على رفع معدلات الأداء, وقد أعطيت مثالاً للآخرين فالبريد ينجز يومياً. والاجتماعات تتم في موعدها, بل إن بعض اجتماعات المشافي الجامعية تتم بعد العاشرة ليلاً لأن الأطباء لا يفضلون حضور اجتماع أثناء وقت عياداتهم.
4- تكريم العمداء: أعطيت للعمداء الرقم الرباعي ليحدد لهم موعد للمناقشة معي في أمور كلياتهم. وإذا ما حضر العميد لمكتب رئاسة الجامعة فيسمح له بالدخول فوراً إلا إذا كان وفد أجنبي موجوداً فلا يجلس العميد في غرفة الانتظار بل يجلس في غرفة الآنسة أمل رفاعي. وعندما يذهب الوفد أحرص على أن أنادي العميد بنفسي.
5- إنفاق الموازنة لمصلحة جامعة حلب: حرصت على هذا, ومع ذلك فقد كان الإنفاق في عام 2001 في الموازنة الاستثمارية بنسبة 52 %. وقد تحملت مسؤولية ذلك على الرغم أن المسببين ليس أنا بينهم. ولكن مما يشفع لنا جميعاً هو الشراء بسعر السوق أو قريباً منه. بينما كانت نسبة التنفيذ في كل من عامي 2002 و2003 حوالي 87 %.
6- العلاقة مع رؤساء الإدارات : كنت حريصاً على أن ألتقي رؤساء الإدارات في رئاسة الجامعة وفي الكليات كل فترة حتى أكون على اطلاع مما لديهم من معوقات.
7- مكتب رئيس الجامعة: حرصت على أن يكون مكتب رئيس الجامعة على مستوى ثقافي مرتفع من استقبال المراجعين بشكل جيد وأداء إداري مرتفع.
8- استقبال المراجعين يومياً: جاء توجيه من رئاسة مجلس الوزراء بتخصيص ساعات في أحد أيام الأسبوع لاستقبال المراجعين فاغتنمتها فرصة وتم تخصيص الساعة 9-10.30 صباح كل يوم لاستقبال المراجعين على جميع المستويات. ومن كانت له ظلامة فليستمع له رئيس الجامعة, وإحقاق الحق أولى.
9- القانونية: حرصت على أداء أعمال رئاسة الجامعة طبقاً للقوانين, فالمخالفات قليلة أو معدومة.
10- المكتب الهندسي : فعلتُ المكتب الهندسي بكل ما أستطيع ،ولكنه بقي ضعيف الأداء.
وكان خَلَفِي الأستاذ الدكتور محمد نزار عقيل, وأعتقد جازماً أنه استمر بنفس المسيرة.
11- افتتاح كلية الآداب والعلوم الإنسانية :انتهى بناء كلية الآداب الحالي، وكان من رأي أنه إذا تم إشغال المبنى، بعد(استلام المبنى أصولاً) فإنه أفضل من تأخير ذلك .ذلك أن العيوب في هذا المبنى والتي غُرم المتعهد عنها،يمكن إصلاحها تدريجياً بدلاً عن استمرارها وزيادتها إذا لم يتم استلام المبنى. وهذا ما حصل, والآن المبنى يعتبر مفخرة لجامعة حلب .
12- انشاء أول لجنة اعتمادية: اطلعتُ على الاتجاهات الحديثة في الجامعات العالمية وارتكازها على معايير الاعتمادية. ولذلك كونت لجنة للاعتمادية كانت تجتمع ليلاً. وبهذا كانت أول لجنة اعتمادية في الجامعات السورية.
13- تمنياتي لجامعة حلب الاستمرار في مسيرتها في ظل قيادة رئيسنا المفدى الدكتور بشار الأسد الذي نكن له كل المحبة ونعمل معه وفي ظله من أجل تقدم سورية الأسد.
|